أقلام الوطن

فداحة التحيُز تفرض صلابة الرد

فرانشيسكا ألبانيز تدحض انحياز فرنسا

ريم نجار مغربي*

يجد كل مثقف واعٍ مهتمٍ بالشؤون الدولية في أن تصريحات المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين، فرانشيسكا ألبانيز، حول الحصانة الدولية المزعومة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تعكس صوت العدالة في مواجهة ازدواجية المعايير الدولية، خاصة وأنها من صُلب بنية هذه المؤسسة مما يُضفي على صوتها قوة وفاعلية خاصة حيث تناضل من داخل مؤسسة هائلة الحجم وخطيرة الدور حينما تنحرف عن ما أُسست عليه. . ففي تصريحها الأخير لوكالة الأناضول، رفضت ألبانيز بشكل قاطع ادعاءات فرنسا بشأن إمكانية استفادة نتنياهو من الحصانة بموجب القانون الدولي، معتبرةً أن هذه الادعاءات تفتقر إلى أي أساس قانوني وتتنافى مع السوابق الدولية. وهذا يدل على مفارقة مكشوفة ، بلا مواربة، باعتبار فرنسا من الدول العُظمى التي ساهمت في إقامة هذه المؤسسة، على الأقل كانت عظمى في حينه!

ألبانيز ذكّرت بموقف المحكمة الجنائية الدولية من قضية الرئيس السوداني السابق عمر البشير، حيث قضت بضرورة تنفيذ مذكرات الاعتقال بغض النظر عن المناصب الرسمية، وهو دليل واضح على أن القانون الدولي لا يعترف بالحصانة أمام الجرائم الخطيرة. وهذه حالة تكشف كم يقوم موقف دول معينة ضد المنطق لأن مقارنة القرار بشأن الرئيس السوداني، وهي ليست منذ عقود، وبين حالة نتنياهو تكشف زيف الموقف الفرنسي.

الأمر الأكثر إثارة للجدل هو الإشارة إلى انتهاك المادة 70 من نظام روما الأساسي في حال عرقلة تنفيذ مذكرة الاعتقال الصادرة ضد نتنياهو. وبهذا الصدد، لم تتردد ألبانيز في توجيه انتقادها لفرنسا، مشيرةً إلى التناقض في تعاملها مع أوامر الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو مقارنةً بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. هذا النهج، الذي وصفته بـ”الكيل بمكيالين”، يكشف عن خلل في الالتزام بالمبادئ الدولية.

تصريحات ألبانيز تدفعنا للتساؤل حول مدى جدية المجتمع الدولي في محاسبة القادة المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة. فهل ستظل العدالة حبيسة ازدواجية المصالح السياسية، أم أننا سنشهد مستقبلًا أكثر التزامًا بتطبيق القانون الدولي دون استثناءات؟

بناءً على مبادئ حقوق الإنسان والقيم الإنسانية، لا يمكن النظر إلى الحصانة الدولية على أنها درع يحمي القادة من المحاسبة على الجرائم الخطيرة التي يرتكبونها. تصريح فرانشيسكا ألبانيز يُبرز أهمية الالتزام بالمساواة أمام القانون الدولي ورفض ازدواجية المعايير، خاصة عندما يتعلق الأمر بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

إنّ المادة 70 من نظام روما الأساسي والمحاكمات السابقة، مثل قضية الرئيس السوداني السابق عمر البشير، تؤكد أن المناصب الرسمية لا تُعفي أحدًا من المسؤولية عن انتهاكات حقوق الإنسان. لذا، فإن تطبيق القانون الدولي بشكل متساوٍ هو مطلب أساسي لضمان العدالة ومنع الإفلات من العقاب.

ازدواجية المعايير التي أشارت إليها ألبانيز، سواء في التعامل مع أوامر الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو أو غيره من القادة، تسهم في تآكل الثقة في النظام الدولي. إذا أراد المجتمع الدولي أن يحافظ على شرعيته ومصداقيته، فعليه الالتزام بتطبيق القوانين بشكل عادل دون اعتبار للمصالح السياسية أو مكانة المتهم.

من هذا المنطلق، فإن التصريحات التي تُطالب بالمساءلة وتُسلط الضوء على التناقضات الدولية، ليست مجرد دعوة للعدالة، بل هي نداء لإنقاذ القيم الإنسانية التي تأسس عليها القانون الدولي، والتي تسعى لضمان حقوق الشعوب في العيش بكرامة بعيدًا عن الانتهاكات والظلم.

أما والحال كما هو عليه، فمن الواضح أن كثيراً من المؤسسات الدولية محكومة بقرارات ومواقف دول معينة ومع ذلك لا تزال تحمل وصف “الدولية” وهذايقود إلى كثير من التعمية.

أما ونحن نتحدث عن موقف قانوني وإنساني في الوقت نفسه، يجمُل بنا عقد مقارنة أخرى هي: بين موقف السيدة اربانيز وموقف السيدة أورسولا فاندرلاين رئيسة المفوضية الأوروبية التي وقفت داعمة الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في غزة والتي تصدى لها الإقتصادي اليوناني المعروف يانس فايروفاكس من حزب سيريزا .

ومثل فاندرلاين، كان موقف وزيرة خارجية ألمانيا أنالينا بيربوك التي رفضت وقف العدوان ضد غزة وهي تزعم أنهانسوية بينمامعظم ضحايا الإبادة في غزة هي من النساء والأطفال.

ولعل لنا أن نسال: كيف يمكن أن يحصل هذا التناقض الخطير في شخص الإنسان هو أو هي؟

ربما التفسير الأقرب للدقة بأن دخول بلد أو بلدان مرحلة إقتصادية إجتماعية فاشية يجر معه كثيرا من الأشخاص وللأسف حتى من النساء.

ولست أدري ما قول الحركة النسوية في فرنسا تجاه موقف حكومتها وهي فرنسا التي أنجبت سيمون دي بوفوار وهي ربما مؤسسة الحركة الثورية النسوية. ولكن علينا حين نذكر دي بوفوار أن نتذكر أن مرحلة حياتها كانت مرحلة تحولات ثورية في العالم بعكس التحولات الفاشية في عديد دول الغرب حالياً.

*كاتبة من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *